عبد الوهاب الشعراني
119
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
ظلّه » . ومعنى وضع له : أي ترك له شيئا مما له عليه . وروى ابن أبي الدنيا والطبراني مرفوعا : « من أنظر معسرا إلى ميسرته ، أنظره اللّه بذنبه إلى توبته » والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في إنفاق ما دخل يدنا من المال على أنفسنا : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن ننفق جميع ما دخل يدنا من المال على أنفسنا وعيالنا وأصحابنا وغيرهم ، ولا ندخر منه شيئا إلا لغرض صحيح شرعي لا تلبيس فيه ، وكذلك نبادر بالصدقة لكن بنية صالحة من غير تهور فيها ، وعلى السائل الصبر حتى نحرر النية ، ولا ينبغي له المبادرة إلى سوء الظن ورمينا بالبخل ولو مكثنا شهرا حتى نجد لنا نية صالحة ، وهذا العهد يخل به كثير من الناس ، فلا المعطي يتربص حتى يجد نية ، ولا الفقير يصبر : وخلق الإنسان عجولا . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ ناصح يخرجه من شح الطبيعة إلى حضرة الكرم ، حتى لا يشح على محتاج إلا لحكمة دون بخل ، ومن لم يسلك فلا سبيل له إلى العمل به ولو صار من أعلم الناس فإن العلم بمجرده محتف بآفات يتيه بها العبد عن طريق الوصول إلى العمل بما علم . ومن كلام سيدي إبراهيم الدسوقي رضي اللّه عنه : إنما احتاج العلماء إلى شيخ يربيهم مع ذلك العلم العظيم الكثير لعدم إخلاص نيتهم فيه ودخول الإعجاب فيه ، وطلب أحدهم أن يصرف وجوه الناس إليه ؛ ولو أنهم سلموا من الآفات وأتوا حضرة العلم بلا علة لنارت قلوبهم بالعلم وأشرفوا على حضرة اللّه عز وجل ، ولهان عليهم بذل نفوسهم في مرضاة اللّه تعالى ، فضلا عن شيء من أعراض الدنيا . فلا تطمع يا أخي أن تعمل بهذا العهد بنفسك من غير شيخ تقتدي به فإن ذلك لا يصح لك ، بل من شأنك أن تكون جموعا منوعا حتى تموت كما هو مشاهد في غالب الناس ، حتى رأيت بعض الناس وهو يسأل من بعض شيوخ العرب الظلمة أن يرتب له خبزا من صدقة ، فقلت له في ذلك ، فقال : الضرورات تبيح المحظورات ، فقومت ثيابه وفرسه فوجدت ثمنها نحو ألفين ونصفا ، فقلت له : أين الضرورة ؟ فما دري ما يقول : فسألت عنه بعض من يعامله ، فوجدت له مع الناس نحو عشرة آلاف دينار ، فقلت له : أتلبس على اللّه ما هو مليح ؟ فقال لي : كان الواحد من الصحابة يملك العشرة آلاف دينار أو أكثر فقلت له وكان مع ذلك لا يدخرها عن محتاج فلم يجد جوابا ، ولو أنه كان سلك طريق أهل اللّه تعالى لأغناه اللّه عن السؤال بمال حلال أو بقناعة ، وذلك أن السالك على مصطلح أهل اللّه تعالى طريقه الذكر ، ومن خاصيته جلاء القلب من ظلمات الرعونات النفسانية حتى يشرف على الجزاء الجسماني أو الروحاني الذي وعد اللّه به المنفقين والمتصدقين في الدار الآخرة ، فإذا أشرف على ذلك صغرت عنده الدنيا بأسرها فيصير يبادر لإنفاقها ، ولو منعوه جهرا أنفق سرا لما يرى لنفسه في ذلك من المصلحة ولا هكذا